أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
103
العقد الفريد
قال : فخرجت على بغلة لي تركية ، فأتيت البصرة في ثلاثين يوما ، ووافيته في صلاة العصر ، فوجدته قاعدا على دكانه ، فسلمت عليه ، فقال لي من أنت ؟ قلت له : ابن أخيك يعلي ، قال : وأين ثقلك « 1 » ؟ قلت : تعجلت إليك حين أتاني كتابك وطربت نحوكم . قال : يا ابن أخي ، أتدري ما قالت العرب ؟ قلت : لا . قال : قالت العرب : شر الفتيان المفلس الطروب ! قال : فقمت إلى بغلتي فأعددت سرجي عليها ، فما قال لي شيئا ، ثم قال : إلى أين ؟ قلت : إلى سجستان ! قال : في كنف اللّه . قال : فخرجت فبتّ في الجسر ، ثم ذكرت أم طلحة ، فانصرفت أسأل عنها حتى أتيت منزلها - وكان طلحة أبرّ الناس بها - فقلت : رسول طلحة ، فقالت ائذنوا له . فدخلت ، فقالت : ويحك ! كيف ابني ؟ قلت : على أحسن حال . قالت : فلله الحمد ! وإذا بعجوز قد تحدرت ، قالت : فما جاء بك ؟ قلت : كيت وكيت . قالت : يا جارية . ائتني بأربعة آلاف درهم ! ثم قالت : ائت عمك فابتن بابنته ، ولك عندنا ما تحب ! قلت : لا واللّه لا أعود إليه أبدا ، قالت : يا جارية ائتني ببغلة رحالتي . ثم قالت ، راوح بين هذه وبغلتك حتى تأتي سجستان . قلت : اكتبي بالوصاة بي والحالة التي استقبلتها . فكتبت بوجعها التي كانت فيه ، وبعافية اللّه إياها ، وبالوصاة بي ؛ فلم تدع شيئا . ثم دفعت حتى أتيت سجستان ، فأتيت باب طلحة ، وقلت للحاجب : رسول صفية بنت الحرث . وأنا عابس باسر ، فدخل ؛ فخرج طلحة متوشّحا ، وخلفه وصيف يسعى بكرسي ، فقمت بين يديه ، فقال : ويلك ! كيف أمي ؟ قلت : بأحسن حالة . قال : انظر كيف تقول ؟ قلت : هذا كتابها . قال : فعرف الشواهد والعلامات ، قلت : اقرأ كتاب وصيتها . قال : ويحك ! ألم تأتني بسلامتها ؟ حسبك ! فأمر لي بخمسين ألف درهم ، وقال لحاجبه : اكتبه في خاصة أهلي ، قال : فو اللّه ما أتى عليّ الحول حتى تم لي مائة ألف . قال ابن عياش : فقلت له : هل لقيت عمك بعد ذلك ؟ قال لا واللّه ولا ألقاه أبدا .
--> ( 1 ) الثقل : المتاع ، أو الحمل الثقيل .